Fashion

لاروسي … رحلة بحث عن الصوت والهوية من لوس أنجلوس إلى قلب القاهرة

لم تكن رحلة المطربة الهولندية ذات الجذور العربية لاروسي مجرد انتقال جغرافي بين مدن وعواصم، بل كانت مساراً عميقاً لاكتشاف الذات، وإعادة تعريف الهوية الموسيقية، والبحث عن صوت صادق يعبّر عن الانتماء قبل الشهرة. قبل انتقالها إلى الشرق الأوسط، أمضت لاروسي خمس سنوات في مدينة لوس أنجلوس، حيث اتخذت قراراً مفصلياً بمغادرة هولندا والانخراط في واحدة من أكثر البيئات الإبداعية تنافسية في العالم. هناك، بدأت مرحلة إعادة تشكيل شاملة لمسيرتها الفنية، قادتها إلى التعاون مع أحد أبرز صنّاع الأغنية في العالم، الكاتب الموسيقي فيليب لورانس، الحائز على عدة جوائز غرامي. حيث قالت ” لم يكن فيليب مجرد شريك عمل، بل كان مرشداً حقيقياً. منحني الوقت والمساحة لأعيد بناء موسيقاي من الأساس، وأن أفهم من أريد أن أكون كفنانة “

في لوس أنجلوس، لم تكتفِ بتطوير أدواتها الفنية، بل خاضت تجربة انضباط صارمة، جمعت بين التدريب المكثف على الرقص خمسة أيام في الأسبوع، والعمل الصوتي مع المدرب العالمي روب ستيفنسون، الذي تعاون مع أسماء كبرى مثل ريهانا وجاستن تمبرليك. تجربة صقلتها كمؤدية متكاملة، ووضعت أمامها رؤية أوضح لمسارها الفني.

لكن التحوّل الأهم لم يكن تقنياً فقط، بل هوياتياً. فقد احتضن فيليب لورانس جذور لاروسي العربية، وشجّعها على استكشاف هذا البعد بعمق، من خلال العودة إلى رموز الطرب العربي مثل أم كلثوم ووردة، ودمج هذا الإرث مع إيقاعات معاصرة. حيث قالت ” كان يشجعني دائماً على أن أكون صادقة مع جذوري، وأن أبحث في الموسيقى العربية لا كهوية ماضية، بل كمصدر إلهام “

دبي… بوابة الفهم والانتماء

مع انتقالها إلى دبي، بدأت مرحلة جديدة أكثر قرباً من محيطها الثقافي. هناك، طرحت أعمالها للمرة الأولى في سياق عربي، وشعرت بأن الدائرة بدأت تكتمل. ” في دبي شعرت بأنني وصلت إلى المكان الصحيح. التنوع الثقافي والعمق العربي جعلاي أشعر بأنني في وطني”  لم يكن هدف لاروسي عند وصولها إلى الشرق الأوسط هو إنتاج الموسيقى فقط، بل فهم المنطقة بعمق. بدأت بتعلّم اللغة العربية، انطلاقاً من الفصحى، عبر دروس مكثفة، بالتوازي مع انغماسها في المشهد الإعلامي والفني، من السجادات الحمراء إلى اللقاءات الصحفية. ورغم التحديات، وحتى السخرية أحياناً من محاولاتها في التحدث بالعربية، لم تتراجع. ” إذا أردت أن أعيش هنا، فعليّ أن أحترم الثقافة. اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل مفتاح لفهم العقل والروح”.

من المغرب إلى لبنان… ثم القرار في مصر

قادها فضولها الفني إلى السفر بين دول المنطقة، من مؤتمرات صحفية في المغرب ولبنان، إلى تعاونات مع محترفين لبنانيين بارزين مثل المخرج الموسيقي عادل صلحان، وصولاً إلى مشاركات في فعاليات كبرى كـالموريكس دور، وعروض فنية في المملكة العربية السعودية. لكن المحطة الفارقة كانت مصر. ” منذ اللحظة الأولى شعرت أن هذا هو مكاني. الإبداع، الحب للموسيقى، الحياة، وروح الناس… كل شيء لمسني بعمق”  في مصر، اتخذت لاروسي قراراً جوهرياً بالغناء باللهجة المصرية، ليس كتغيير للهوية، بل كتقارب صادق مع جمهور شعرت بأنه الأقرب إليها. ” لم أرد أن أكون شخصاً آخر، بل أن أتواصل بصدق مع جمهور أحب الموسيقى كما أحبها “

مصر… حاضنة المواهب العربية العابرة للحدود

قصة لاروسي تعكس مكانة مصر كواحدة من أهم الدول العربية في استقطاب المواهب الغربية ذات الجذور العربية. فالقاهرة لم تكن يوماً مجرد مركز إنتاج، بل بيئة ثقافية تحتضن التنوع، وتمنح الفنانين مساحة للبحث والتجريب والعودة إلى الذات. وعلى مدار السنوات الأخيرة، أثبتت الساحة العربية قدرتها على إيصال أصواتها إلى العالم، من خلال نجاحات عالمية لموسيقيين وفنانين عرب استطاعوا تقديم هويتهم بلغات مختلفة دون التخلي عن جذورهم. هذا التوازن بين المحلية والعالمية هو ما يجعل التجربة العربية اليوم أكثر حضوراً وتأثيراً على المشهد الموسيقي الدولي.

رسالة تتجاوز الموسيقى

بالنسبة للاروسي، لم تعد الرحلة مجرد مسيرة فنية، بل رسالة. ” رأيت جيلاً كاملاً من الشباب يبحث عن جذوره ويعبّر عنها بالفن. عندها أدركت ليس فقط مكاني، بل رسالتي” . رحلة بدأت من هولندا، ونضجت في لوس أنجلوس، وتعمّقت في الشرق الأوسط، لتستقر أخيراً في مصر… حيث وجدت لاروسي صوتها، وجمهورها، وانتماءها الحقيقي.

You may also like...