في عالم المجوهرات حيث تلتقي الحرفة بالفن والذاكرة بالهوية، استطاعت المصممة الفلسطينية ديما رشيد أن تخلق لنفسها مسارًا إبداعيًا مميزًا من خلال علامتها الخاصة ، مقدمة تصاميم لا تقتصر على الجمال البصري فحسب، بل تحمل في تفاصيلها قصصًا إنسانية وارتباطًا عميقًا بالطبيعة والوطن. فقد نجحت في تحويل المجوهرات إلى وسيلة تعبير فنية تنقل من خلالها رؤيتها الخاصة للعالم، وتُجسد من خلالها جزءًا من ذاكرتها وهويتها الفلسطينية.

لم تكن بداية رحلتها في تصميم المجوهرات مخططًا لها مسبقًا، بل جاءت مصادفة خلال زيارة عابرة إلى متجر لبيع الخرز في لندن، حيث كانت تبحث عن طقم بسيط لتقديمه هدية لصديقة لها في المستشفى. غير أن تلك اللحظة تحولت إلى نقطة انطلاق لمسار جديد في حياتها، عندما اكتشفت داخل المتجر دورة صغيرة لتعلم تقنيات الخرز والتوصيل، الأمر الذي أثار فضولها وجذبها إلى هذا العالم الساحر. منذ تلك اللحظة شعرت بانجذاب كبير لهذه الحرفة، فقررت شراء أدواتها الخاصة والكتب المتخصصة، لتبدأ أولى خطواتها في تجربة التصميم والعمل بيديها.

مع مرور الوقت، تحولت هذه التجربة من مجرد هواية إلى شغف حقيقي، ثم إلى مشروع إبداعي متكامل. في بداياتها تعاونت مع عدد من صاغة المجوهرات لتنفيذ الأفكار التي كانت ترسمها في خيالها، حيث كانت تصف لهم القطع التي تتخيلها، فيقومون بصناعة الهيكل المعدني، بينما تضيف هي اللمسة الفنية من خلال اختيار الأحجار وتركيبها بعناية. هذه الطريقة ساعدتها على تطوير أسلوبها الخاص، الذي يجمع بين البساطة المدروسة والتفاصيل الفنية الدقيقة. غير أن الطريق لم يكن خاليًا من التحديات. ففي السنوات الأولى من عملها واجهت صعوبة في إقناع السوق بقيمة الأحجار الكريمة عالية الجودة. ففي ذلك الوقت لم يكن مفهوم اقتناء الأحجار النادرة المثبتة في الذهب الفاخر شائعًا لدى الكثير من العملاء، الذين اعتادوا على الأحجار الأقل قيمة. إلا أن إصرارها على تقديم جودة عالية وتصاميم مختلفة ساعدها تدريجيًا على تغيير هذه النظرة، لتصبح الأحجار الكريمة الفريدة جزءًا أساسيًا من هوية أعمالها.

تستمد ديما رشيد إلهامها من الطبيعة قبل أي شيء آخر، فالجمال بالنسبة لها موجود في كل مكان لمن يختار أن يراه. تحب استلهام الألوان من البحر وتدرجاته، كما تنجذب إلى الأشكال الهندسية غير المتماثلة التي تضفي على القطع طابعًا فنّيًا معاصرًا. وهي أيضًا مولعة بمزج الألوان والأحجار المختلفة بطريقة غير تقليدية، ما يمنح تصاميمها شخصية فريدة تجمع بين الجرأة والأناقة.

تؤمن ديما رشيد بأن المجوهرات الحقيقية ليست تلك التي تُرتدى لموسم واحد فقط، بل تلك التي تبقى مع الزمن وتنتقل بين الأجيال. لذلك تسعى دائمًا إلى تصميم قطع خالدة يمكن أن تنتقل من الجدات إلى الأمهات ثم إلى البنات، لتصبح جزءًا من ذاكرة العائلة وتاريخها. هذه الرؤية هي ما يدفعها باستمرار إلى البحث عن أفكار جديدة وتحدي نفسها في كل مجموعة تقدمها. وفي حديثها إلى المصممين الشباب، تشدد على أهمية الابتعاد عن تقليد الاتجاهات السائدة والتركيز على تطوير أسلوب شخصي مميز. فالتصميم الحقيقي، كما ترى، يولد من الهوية الفردية ومن الشغف الصادق بالعمل. لذلك تنصح كل من يرغب في دخول هذا المجال بالعمل بجد، وعدم الخوف من الفشل، والإيمان بأن الرؤية الأصيلة ستجد دائمًا من يقدرها.

