Eclat Saudi

آشي ستوديو… حين تتحوّل الأزياء إلى تنقيب في الذاكرة

ثمّة صمت مهيب يغلّف الطريقة التي ينحت بها آشي ستوديو المشاعر. لا يسعى المصمم السعودي محمد آشي وراء الصخب أو الاستعراض اللحظي، بل يختار أن يغوص في أعماق الذاكرة، ليفككها ببطء، بوعي، وبغريزة تشبه التأمل. مجموعة خريف 2025 للأزياء الراقية، والتي جاءت بلا عنوان كما صرّح لنا بعد العرض، ليست بياناً بصرياً بقدر ما هي رحلة حسّية؛ عملية تنقيب عن أثر شخصي في أرشيف الذكريات، حيث يتحوّل القماش إلى قطعة أثرية تُستخرج من باطن الروح أكثر مما تُرتدى أمام الأعين.

أزياء تحرّكها الحِرفة والمشاعر

مجموعات آشي لم تكن يوماً للترفيه أو للفرجة الفارغة؛ هي أزياء ذات مفاهيم متعددة الطبقات، قاعدتها الأساسية الحِرفة العالية وصورها الظلية المنحوتة، ومحركها الدائم هو المشاعر. في هذه المجموعة تحديداً، كل خامة تنبض كجرح مفتوح؛ الأقمشة حرّة لكنها دقيقة، كل طرف مهترئ هو ندبة محسوبة بعناية. إحدى الإطلالات صيغت من جلد بايثون شفاف يلتصق بالجسد كطبقة جلد ثانية، لتخلق إحساساً بالتحوّل والانعتاق من القشور القديمة نحو ذات جديدة.

بين التاريخ والآن

هندسة الأزياء هنا مزيج فريد بين الهشاشة والصلابة، بين الانكشاف والصمود. آشي يضع مهاراته تحت المجهر، مقدّماً صوراً ظلية هيكلية استثنائية الدقة، مستوحاة من خبرته الطويلة في عالم الحِرفة. المراجع التاريخية تظهر كهمسات في الهامش: من نقوش البورسلان والزهور المحفورة، إلى الأقمشة المخملية الثقيلة والأطراف الممزقة، كل قطعة تبدو كأثر من صالون منسيّ، جزء مبتور من حكاية مألوفة نكاد نتذكرها. هنا تقديس للماضي لا يقف عند حدود الحنين، بل يذهب إلى إحيائه وتقديمه بروح معاصرة تُوازن بين الوزن التاريخي واللمسة الحديثة.

تفاصيل تنبض بالتوتر والجمال

التوتر بين السيطرة والانهيار يُدار ببراعة؛ تنانير ضخمة محمّلة بالتطريزات تتحدى الجاذبية، بينما يحتضن الدانتيل الرقيق الجسد بأجمل صوره الحسية. كورسيه مرصّع بفسيفساء عرق اللؤلؤ يلمع كأثر أُنتُشل من أعماق البحر، سطحه أشبه بمخطوطة زمنية متعددة .الطبقات. الأطراف الممزقة لا تشير إلى إهمال، بل إلى انتقاء متقن يحوّل العيوب إلى لحظات جمالية محسوب ما يبقى بعد مرور العارضات ليس فخامة التفاصيل فحسب، بل شعور بالحميمية بين المصمم ومصدر إلهامه. المرأة التي ترتدي هذه القطع ليست دمية للعرض، ولا تُمثل أحداً سواه… هي أثر يتحرك، يسير بوزن التاريخ نحو الحاضر، بخطى ثابتة تفرض هيبتها بلا صراخ.

لطالما كان آشي شاعراً في العتمة، لكن شعره هنا أكثر نضجاً وكثافة؛ أنشودة تُقدَّم للفتات التي تشكّلنا، للأنسجة التي تحفظ ملامحنا، للذكريات التي نرتديها كجلدٍ ثانٍ. هذه ليست مجرد أزياء، بل خرائط شعورية تعيد صياغة العلاقة بين الفن والذاكرة، بين الجمال والجرح، وتتركنا أمام أسئلة أعمق بكثير من أي إجابات.

You may also like...