عندما نتحدث عن المبدعين الذين استطاعوا أن يرسموا لأنفسهم طريقًا استثنائيًا في مجال العمارة، يبرز اسم كريم والي كواحد من أبرز الأسماء التي نسجت قصة نجاحها بخيوط الإصرار والتجربة. رحلة مليئة بالشغف منذ البدايات، وتحديات تحوّلت إلى خبرات، وصناعة تترسخ كأحد أعمدة المشهد المعماري في مصر والمنطقة.

البدايات… شغف بالإبداع
يستعيد كريم ذكريات طفولته قائلًا: “عندما كنت في المدرسة، كان لدي شغف كبير لتعلّم لغة جديدة. كنت أرغب أن أعمل على شيء إبداعي أو أن أتعلم شيئًا يرتبط بالإبداع.” الإبداع بالنسبة له لم يكن مجرد خيار، بل كان هوية تشكلت منذ الصغر، غذّاها شغفه بالموسيقى التي مارسها منذ طفولته. “كنت أرغب أن أصبح موسيقيًا، فقد كنت أعزف الموسيقى منذ أن كنت طفلًا.” هذا الميل الفني فتح أمامه نافذة على عالم أكبر، عالم يتقاطع فيه الفن بالتصميم، والخيال بالواقع. وعندما زار “نبيلة” في الزمالك خلال فترة دراسته، شعر بوضوح أن هذا المكان سيكون محطته القادمة، وأنه سيجد فيه نفسه: “شعرت أنني أريد أن أدخل هذا المكان وأن أبقى فيه. عندها قررت أن أصبح موسيقيًا.”
الخبرة المبكرة وصقل الذات
لم ينتظر كريم طويلاً ليبدأ تجربته العملية. منذ عام 2002، وهو لا يزال طالبًا في الجامعة، قرر أن يخوض عالم العمل من أوسع أبوابه. يقول: “كنت أعمل في كل شيء يمكن أن يخطر على البال. كنت أول شخص يعمل ككاتب ضبط للمكاتب والاستشاريين وما شابه ذلك. كما عملت كمشرف موقع للمهندس المشرف على التنفيذ. بمعنى أنني جربت كل المهام.”
هذه التجارب لم تكن مجرد وظائف عابرة، بل شكلت قاعدة متينة لصقل شخصيته المهنية. ففي كل خطوة كان يتعلم درسًا جديدًا، يضيف إلى رصيده العملي خبرةً يحتاجها لاحقًا.
من التجارب إلى الريادة
بعد التخرج، اختار كريم أن يواصل تنويع خبراته من خلال العمل في أكثر من شركة. ويوضح: “كان ذلك بهدف اكتساب خبرة أكبر حتى أمتلك رصيدًا أستفيد منه لاحقًا.” وفي عام 2013، اتخذ قراره الحاسم بإنشاء عمله الخاص، ليولد الاستوديو رسميًا في 2014. يصف هذه اللحظة قائلًا: “كان هذا أول تحدٍ حقيقي بالنسبة لي. كنت صغيرًا جدًا في ذلك الوقت، بينما كان هناك أشخاص أكبر سنًا بكثير، كنت أتابعهم في المجلات. وكنت أرى أنني شاب صغير لكنني أخذت مكانًا بينهم.” أن تبدأ صغيرًا في عالم يسيطر عليه الكبار، يعني أن تثبت نفسك بالعمل الجاد. “لأثبت نفسي في هذا المجال، كان علي أن أبذل جهدًا كبيرًا وأعمل كثيرًا.”

التحديات… مدرسة الخبرة
في نظر كريم، لا يمكن فصل النجاح عن التحديات، فهي الوقود الذي يغذي التجربة. “التحديات في الحياة قوية جدًا. لكن الفكرة أن هذه التحديات دائمًا تحتاج إلى خبرة.” ويضيف: “كل مشروع كان يمثل تحديًا جديدًا. أحيانًا يكون التحدي في الميزانية، وأحيانًا في الوقت، وأحيانًا في نوعية المشروع نفسه، وأحيانًا في العميل. وفي أحيان أخرى يكون التحدي في القدرة على التعاون مع الآخرين.” واحدة من أصعب المحطات كانت عام 2016، حيث شكّل التعاون الخامس مع إحدى الشركات نقطة تحول كبرى: “في عام 2016 كان لدينا التعاون الخامس، وكان نقطة محورية بالنسبة لنا، لأننا كنا ما زلنا في منتصف الطريق.” إلى جانب ذلك، واجه تحديات عالمية مثل جائحة كوفيد-19 والأزمات الاقتصادية، لكنه ينظر إليها اليوم كتجارب ملهمة: “الحمد لله، في كل مرة كنا نستطيع أن نحقق ما نستطيع تحقيقه، ومع الوقت تحولت هذه التحديات إلى خبرات.”
ما بين المحلية والعالمية
لم تتوقف التحديات عند حدود السوق المصري، بل تجاوزتها إلى التعاون مع شركات تصميم ومعمار عالمية. يروي كريم: “لقد عملنا كثيرًا مع شركات معمارية وتصميمية من خارج مصر، وكان هذا بالنسبة لنا تجربة وتحديًا في آن واحد: كيف نتعامل مع الناس؟ هناك صعوبات، والسوق لا يوفر الكثير من الخيارات. لذلك كان علينا دائمًا أن نتذكر ما يمكننا القيام به، وأن نرى كيف نستفيد بأقصى قدر من كل تجربة.”
الفخر بالرحلة
بعد أكثر من عقدين من التجربة، يقف كريم اليوم على أرض صلبة. ينظر إلى مسيرته بعين الفخر: “كل تحدٍ يتحول إلى خبرة… ومع الوقت، القرارات تصبح أوضح وأسهل.” ويختم قائلًا: “اليوم أنظر بفخر… فقد أثبتت أن الإصرار والاجتهاد هما سر النجاح.”

