في زمن ازدحمت فيه الساحة الفنية بالأصوات والمواهب، وازدادت فيه المنافسة على المراتب الأولى في منصات الشهرة، يطلّ الفنان اللبناني إياد كصوتٍ مختلف يحمل صدقاً نادراً وشفافيةً تشبه البدايات الأولى للفن الحقيقي. فهو لا يغني ليُسمَع، بل ليُحَسّ، ولا يلهث خلف الأضواء، بل يتركها تأتيه حين يضيء إحساسه الطريق منذ خطواته الأولى في المعهد الوطني للموسيقى، أدرك إياد أن الغناء ليس علماً يُحفظ ولا قاعدة تُتّبع، بل هو حالة حياة كاملة، فيها الفرح والحزن، فيها التعب والصدق، وفيها ذلك الشغف الذي لا ينطفئ. يقول: “

أسلوبي بسيط وصادق، أحب أن أغنّي بإحساسي قبل صوتي، لأن الصوت من دون إحساس لا يلمس القلب.”من هذه الفلسفة البسيطة، انطلقت رحلته. فبينما انشغل كثيرون في البحث عن شكلٍ جديد أو شهرةٍ سريعة، ظلّ إياد وفيّاً لجوهره، يطوّر نفسه من الداخل لا من الخارج، ويختار كلماته بعناية كما يختار المرء طريقه في صحراءٍ لا علامات فيها سوى الإحساس. تعلم من أساتذته أن الموسيقى لا تُؤدّى فحسب، بل تُعاش. لذلك لم يكن في يومٍ من الأيام أسير نمطٍ محدد أو مدرسةٍ واحدة، بل اختار أن يكون مدرسته الخاصة التي توازن بين العاطفة والعقل، بين البساطة والعمق. ويقول: “ما يميزني أن صوتي يعبر عني وعن مشاعري الحقيقية، لا أحاول أن أكون نسخة من أحد، بل أغني كما أشعر، لا كما يفرض السوق.” هذه الصراحة في القول تنعكس تماماً في أدائه، إذ يمكن للمستمع أن يشعر أنه أمام فنانٍ لا يتصنّع النغمة ولا يتكلف الإحساس، بل يعيش الأغنية كمن يكتب سطره الأخير في رسالةٍ إلى شخصٍ يحبه. ورغم صعوبة الطريق، لم يفقد إياد إيمانه بالحلم. فهو يدرك أن كل خطوة تحتاج إلى تعبٍ جميل، وأن النجاح لا يُقاس بالانتشار السريع بقدر ما يُقاس بالصدق والاستمرارية. “الشهرة جميلة لكنها تحمل ضغطاً كبيراً، أحاول دائماً أن أركز على عملي وأحب التعب، لأن طريق الحلم لا يكون سهلاً. أهم شيء أن أبقى حقيقياً ولا أتغير.” وربما هذا هو سرّه الأكبر: أنه يرى في التعب متعة، وفي الصعوبات دروساً، وفي كل تجربة فنية فرصةً جديدة لاكتشاف ذاته من جديد. فهو لا يغني لينال الإعجاب، بل ليقول شيئاً صادقاً، شيئاً يشبهه. إياد لا يتعامل مع صوته كأداةٍ للغناء، بل كنافذةٍ للروح. كل أغنيةٍ يؤديها هي فصل من سيرته، وكل لحنٍ يعانقه هو مرآة لحالته في تلك اللحظة. ولذلك، حين يغني، لا يبدو أنه يؤدي أغنية… بل يعيشها بكل تفاصيلها.

هو فنان يؤمن أن الناس لا تتأثر بالصوت الجميل بقدر ما تفتنها الصدق في النغمة. ومن هنا كانت فلسفته البسيطة والعميقة: “الإحساس أولاً، وكل شيء بعده يأتي صداه.” وفي زمنٍ تتبدّل فيه الأذواق بسرعة وتُختصر فيه القيم الفنية في أرقام المشاهدات، يبدو إياد كمن يقف بثباتٍ وسط العاصفة، ممسكاً بميكروفونه كمن يمسك بحلمه. لا يخشى التأخر، لأن ما يسعى إليه ليس الوصول المؤقت، بل الخلود في ذاكرة الناس. هكذا يمضي الفنان اللبناني إياد في رحلته، متصالحاً مع نفسه، مخلصاً لفنه، ومؤمناً أن الأغنية الحقيقية لا تولد من الأستوديوهات وحدها، بل من التجارب الإنسانية التي تترك أثراً في القلب. فصوته ليس مجرد آلةٍ موسيقية، بل حكاية إنسانٍ اختار أن يظلّ قريباً من الناس، لأنهم كما يقول دائمًا: “هم مصدر الإلهام الأول لكل أغنية صادقة.”

