حين لا تأتي الفرص كما ينبغي، لا تقف جهاد حسام الدين عند عتبة الانتظار. هي لا تؤمن بالحظ كفكرة مريحة، ولا بالصدفة كطوق نجاة، بل تؤمن بالفعل؛ بالفعل الذي يجرّب، ويتعب، ويتعلم، ويصنع المسار بيديه. هكذا دخلت إلينا في حوار يناير، بجملة تصلح لأن تكون عنوانًا لسيرتها قبل أن تكون افتتاحية حديث: “حين لا أجد الفرص جاهزة بين يديّ، أصنعها بنفسي؛ أخلق لنفسي مسارًا، سواء على المسرح أو في الورشة، حتى وإن كان ذلك على حساب راحتي». هي ليست عبارة مُزخرفة لمقدمة صحفية، بل تعبير عن فلسفة حياة كاملة؛ فلسفة امرأة شابة قررت ألا تُختصر في “دور جيد”، ولا تُصنّف كـ “وجه صاعد”، بل أن تُقرأ كمشروع فني واعٍ، يتشكل ببطء، وبتراكم محسوب، وباختيارات لا تُجامل الرائج.

غلاف يناير… وتاج التجربة الأولى
تأتي إطلالة جهاد على غلاف إيكلا في يناير كامتداد طبيعي لمرحلة جديدة في رحلتها، مرحلة خرجت فيها من مساحة “التوقع” إلى مساحة “التحقق”. لم يعد السؤال: هل ستنجح؟ بل أصبح: إلى أين ستأخذ هذا النجاح؟ نجاحها المدوي في أولى بطولاتها المطلقة عبر مسلسل «كارثة طبيعية» لم يكن مجرد ضجة لحظية، ولا موجة عابرة على السوشيال ميديا، بل لحظة فنية نادرة التوقيت: مبكرة بما يكفي لتكون مفاجأة، وناضجة بما يكفي لتكون مقنعة. المسلسل، كما تراه جهاد، لم يقتصر على “طرح قضية” بطريقة مباشرة، بل ناقش قضية مجتمعية من زوايا متعددة، وفتح مساحات تشبه الشارع المصري وتهم المواطن المصري والعربي معًا؛ ليس لأن القضايا تتشابه فقط، بل لأن المشاعر أيضًا متشابهة: الخوف، الضغط، الصمت، الأسئلة غير المكتملة، وما يتركه الواقع على وجوه الناس وحياتهم.
اختيارات قليلة… لكن لا تمر بلا أثر
في حديثها، لا تقدّم جهاد نفسها على أنها كانت محاطة دائمًا بالفرص، بل بالعكس، تؤكد أن المسار لم يكن مستقيمًا ولا سهلًا. لكنها في الوقت نفسه لا ترى في قلة الأعمال أزمة، بل ترى في التمييز بين الأعمال نوعًا من الشجاعة. تقول: “كنتُ أحاول، قدر استطاعتي، أن تكون الأدوار التي أقدّمها للجمهور معبّرة عني وعن اختياراتي، حتى وإن لم تكن كثيرة، إذ كنت أعتذر عن أعمال عديدة. لكن ما كنت أحرص عليه دائمًا هو أن يترك كل دور بصمته الخاصة، وأن يحمل علامة فارقة، حتى وإن كان بعيدًا عن الرائج أو السائد” هذا الوعي بالاختيار هو ما جعل التراكم عندها ليس مجرد “سنوات خبرة”، بل “سنوات معنى”. هي لا تبحث عن عدد الأدوار، بل عن القيمة التي يضيفها كل دور إلى صورتها كممثلة. لذلك تبدو تجربتها وكأنها تُكتب على مهل: خطوة محسوبة، ثم خطوة أخرى، حتى تتكوّن الخريطة.

كارثة طبيعية… لحظة الانكشاف الجميل
عندما تتحدث جهاد عن كارثة طبيعية، تتحدث عنه بوصفه تجربة “قرأتها” الحياة لها في توقيت مبكر، وكأن المشروع جاء ليقول لها: الآن أصبح لديكِ ما يكفي كي تُشاهَدي… لا لمجرد أنكِ موجودة، بل لأنكِ أصبحتِ مفهومًا. تقول: ” بدأت أُدرك قيمة هذا التراكم حين جاءت تجربة كارثة طبيعية… فاجأتني إلى حدٍّ كبير، خصوصًا أنها جاءت في مرحلة مبكرة نسبيًا من مشواري. عندها فهمت أنني أصبحت مقروءة من خلال اختياراتي، وأن صورة نوع الممثلة التي أنا عليها بدأت تتشكّل بوضوح لدى الجمهور” الجملة الأهم هنا ليست “فاجأتني”، بل “أصبحت مقروءة”. أن تكون “مقروءًا” يعني أنك لم تعد مجرد أداء، بل أصبح لك اتجاه، وصوت، ولون، وملامح لا تتبدل مع كل عمل. وهذا بالضبط ما تصفه جهاد: صورة الممثلة التي بدأت تتشكّل، وتصبح واضحة لدى الناس. لكن هذه السعادة، كما تؤكد، لم تكن سعادة خفيفة، بل سعادة ثقيلة بالمسؤولية: “بعد هذه التجربة، شعرت بسعادة حقيقية، لكنها كانت مصحوبة بإحساسٍ عميق بالمسؤولية. شعرت بطاقة جديدة تدفعني لتقديم أعمال جميلة أخرى، مرةً بعد مرة، وأن أبحث بجدية عن سيناريوهات وقصص تستحق. كما أدركت أهمية أن أواصل تعلّمي وتثقيف نفسي أكثر، حتى أستطيع الاستمرار والمضي قدمًا بثبات». هنا نرى جهاد تضع “المسؤولية” في قلب النجاح. النجاح عندها ليس نهاية تعب، بل بداية تعب أكثر نضجًا.
الوجه الذي يشبه الشارع… دون ادعاء
شيئًا فشيئًا، أصبحت جهاد — بوعي أو بدون وعي — مرتبطة بقضايا الشارع المصري. لكنها لا تتحدث عن ذلك بوصفه لقبًا، بل بوصفه نتيجة طبيعية لاختياراتها. إنها لا تريد أن تمثل “القضية” كفكرة، بل تريد أن تمثل “الإنسان” داخل القضية: نفسيته، هشاشته، ضغطه، سياقه الاجتماعي. هذه المكانة التي وصلت إليها لم تكن “هدية”، بل حصيلة طريق فيه لحظات تكسّر، ولحظات غموض، ولحظات قاسية. تستعيد واحدة من أصعب لحظات رحلتها بتعبير شديد الصدق: “أكثر اللحظات قسوةً تلك التي أشعر فيها بأنني قد قطعت صلتي بحياتي القديمة، دون أن تتضح لي بعدُ ملامح الطريق نحو المستقبل. لحظةٌ أجدني فيها معلّقة بين ما كان وما لم يتشكّل بعد، فلا أرى لنفسي مكانًا واضحًا في الغد. هي من أصعب اللحظات، لكنها في الوقت ذاته لحظة التحوّل». إنها لحظة “بين بين”… بين حياة كانت معروفة، وحياة لم تتكوّن بعد. لحظة الفراغ التي يخاف منها الجميع، لأنها تكشف الإنسان بلا ضمانات. لكنها عند جهاد كانت الشرارة: “فكلما ساورني هذا الإحساس، دفَعني لأن أزجّ بنفسي أكثر نحو التعلّم، والثقافة، والسفر، والعمل.” لم يكن السفر في حياة جهاد مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال داخلي. هو قرار بالابتعاد قليلًا كي ترى الأشياء أوضح، وتفهم نفسها خارج الإطار المعتاد. تقول: “أسافر، وأعيد اكتشاف ذاتي في رحلة جديدة، في بلدٍ مختلف أو مدينةٍ أخرى؛ عملت في أكثر من مكان، من إسطنبول إلى باريس وغيرها، وكل ذلك انطلق من تلك المساحة الغامضة التي لم يكن فيها المستقبل واضحًا بعد».وهنا تتضح فلسفتها أكثر: عندما يصبح المستقبل غامضًا، بدل أن تستنزف نفسها في القلق، تشحن نفسها بالمعرفة. بدل أن تنتظر “فرصة”، تصنع تجربة. بدل أن تقف في مكانها، تتحرك. وتختم هذا المعنى بجملة تحمل جوهر شخصيتها: “فكنت أُشحن بالمعرفة، وأشغل نفسي بنفسي دائمًا، إيمانًا بأن الطريق يُصنع بالفعل، لا بالانتظار”

بين المسرح والورشة: فنانة تُتقن الصنعة
حين قالت “على المسرح أو في الورشة”، كانت تشير إلى أنها ترى الفن صنعة أيضًا، لا مجرد إلهام. “الورشة” هنا ليست مكانًا، بل مفهوم: التدريب، الاحتكاك، بناء الأدوات، تطوير الأداء، والاشتغال على الذات كأنها مشروع طويل الأمد. هي لا تقدّم نفسها كنجمة تبحث عن الضوء، بل كفنانة تؤمن بالاشتغال. ولهذا تبدو لغتها مزيجًا من شاعرية وإصرار: شاعرية لأنها تلتقط المعنى، وإصرار لأنها تعرف أن المعنى وحده لا يكفي دون عمل.
من نجاحٍ مدوٍ… إلى مرحلة أعمق
في النهاية، لا يبدو حوار جهاد معنا مجرد حديث عن عمل ناجح، بل حديث عن مرحلة انتقال: انتقال من “التجربة” إلى “الهوية”. من ممثلة تشق طريقها ، إلى ممثلة يترقبها الجمهور لأنها تعرف ماذا تريد. غلاف يناير لم يكن مجرد صورة، بل مرآة لرحلة: رحلة صنعت فيها فرصتها، وصنعت لغتها، وصنعت موقعها تدريجيًا، حتى أصبح لها مكان واضح في مشهد يتغير بسرعة. ومع ذلك، هي لا تتحدث بطمأنينة من يملك كل الإجابات، بل بصدق من يعرف أن الطريق ما زال طويلًا… وأنه سيُصنع بالمزيد من العمل، لا بالمزيد من الانتظار> هكذا هي جهاد حسام الدين: وجهٌ خرج من الغموض وهو يحمل المعرفة، ومن القسوة وهو يحمل التحوّل، ومن التجربة الأولى وهو يحمل مسؤولية التجارب القادمة. وفي كل مرة لا تجد فيها فرصة جاهزة… تصنعها بنفسها.

