في عالم الفن الذي تتداخل فيه التجارب وتتنوع مسارات النجاح، يبرز الحديث عن المقارنة كأحد أكثر المواضيع حساسية بين الفنانين، خاصة مع اتساع الساحة الفنية عربيًا. ومن هذا المنطلق، يفتح الفنان العراقي عمر يوزبكي قلبه للحديث بصراحة عن هذه الظاهرة، مستندًا إلى تجربته الخاصة بين العراق ومصر.

يقول عمر: «أود أن أكون صريحًا: المقارنة شعور يمر به كل فنان، سواء داخل مصر أو خارجها، وهي جزء من الطبيعة البشرية، خاصة في مجال إبداعي تتعدد فيه التجارب وتتنوع النجاحات»، مضيفًا أن خوضه تجربة فنية في مصر وضعه أمام «مدارس وأساليب مختلفة»، وهو ما قد يفتح باب المقارنة أحيانًا، لكن من زاوية إنسانية طبيعية لا يمكن إنكارها. ورغم ذلك، يؤكد يوزبكي أن نظرته للفن تتجاوز فكرة السباق، موضحًا: «أؤمن أن الفن ليس سباقًا، لا في مصر ولا في غيرها من الساحات. فلكل سوق خصوصيته، ولكل فنان مسيرته التي تتشكل وفق ظروفه وخبراته وتوقيته الخاص». ويشير إلى أن تجربته في مصر لم تكن فقط محطة مهنية، بل مساحة لاكتشاف أوسع، حيث «أضافت لي الكثير ووسّعت آفاقي»، وفي الوقت ذاته عززت لديه أهمية الحفاظ على هويته الفنية.
وفي حديثه عن المنافسة، يضع عمر إطارًا واضحًا لها، قائلاً: «أرى أن المنافسة الحقيقية هي تلك التي تدفع الفنان إلى تطوير ذاته، لا إلى التشكيك في قدراته»، مؤكدًا أنه يتعامل معها كحافز للنمو، يدفعه إلى تقديم أعمال تعبّر عنه بصدق بعيدًا عن التقليد أو محاولة مجاراة الآخرين. كما يلفت إلى أن جوهر النجاح في الفن لا يرتبط بالمقارنة بقدر ما يرتبط بالخصوصية، حيث يقول: «سواء داخل مصر أو على مستوى العالم العربي، يبقى الأهم أن يكتشف الفنان صوته الخاص، وأن يدرك ما الذي يميّزه، وأن يعمل على تعزيزه باستمرار»، مشددًا على أن الجمهور يتفاعل مع الصدق، وأن «العمل الذي ينبع من إحساس حقيقي» هو ما يصل ويترك أثرًا. وفي ختام حديثه، يختصر عمر فلسفته في جملة تحمل الكثير من الإيمان والهدوء: «أؤمن أن لكل فنان وقته الخاص، وفرصته التي تأتي في توقيتها المناسب»، مشيرًا إلى حرصه على التركيز على رحلته الخاصة والعمل بثبات، مع يقين راسخ بأن «ما كُتب لي سيصل إليّ في الوقت الذي قدّره الله».

وفي امتداد لهذا النقاش حول المقارنة في الوسط الفني، تأتي رؤية الفنانة ميران عبد الوارث لتكمل الصورة من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل عمقًا وصدقًا. فمن خلال تجربتها، تطرح ميران مفهومًا أكثر هدوءًا وتوازنًا في التعامل مع هذه الظاهرة، مستندة إلى إيمانها بالاختلاف كقيمة أساسية في الفن> تقول ميران: «أود أن أكون صادقة: لا يوجد إنسان لا يقارن نفسه بالآخرين بشكل أو بآخر، فهذه طبيعة بشرية لا يمكن إنكارها»، مشيرة إلى أن السعي نحو المثالية في إنكار هذا الشعور قد يكون غير واقعي. لكنها في الوقت ذاته تؤكد على قناعة راسخة لديها بأن «كل إنسان فريد ولا يشبه أحدًا، خاصة في مجال الفن».

وترى أن خصوصية المجال الفني تكمن في طبيعته غير النمطية، موضحة: «فنحن لا نعمل وفق مهارات محددة أو مهام ثابتة، بل يقوم نجاحنا على تميزنا واختلافنا»، لافتة إلى أن الاختلاف ليس مجرد سمة، بل هو جوهر التميز الحقيقي لكل فنان. ومن هذا المنطلق، تشدد ميران على أهمية التركيز الداخلي، حيث تقول: «من وجهة نظري، الأهم أن يركز الإنسان على نفسه: أن يعرف ما الذي يجيده، وما الذي يميّزه، ويعمل على تطويره باستمرار»، معتبرة أن هذا الوعي هو ما يمنح كل فنان مسارًا مستقلًا بعيدًا عن المقارنات غير المنطقية. ولا تنكر ميران لحظات الضعف التي قد يمر بها أي فنان، مضيفة: «هل نقع جميعًا في فخ المقارنة أحيانًا؟ نعم، يحدث ذلك»، خاصة في الأوقات التي يبدو فيها الآخرون في حالة تقدم بينما يشعر الشخص بالثبات. لكنها تعيد التأكيد على أن هذا المجال «ليس سباقًا بالمعنى التقليدي»، ولا تحكمه نقطة بداية أو نهاية موحدة للجميع.

وفي ختام حديثها، تختصر ميران فلسفتها برؤية إنسانية متوازنة، داعية إلى العمل بهدوء والتركيز على المساحة الخاصة لكل فنان، قائلة: «الأجدر أن يركّز كل منا على مساحته الخاصة»، مع الحفاظ على نقاء النية وتمني الخير للآخرين، لأن «كل إنسان يسير في طريقه الخاص، وفي توقيته الخاص»، وفي النهاية «ما كُتب لك سيصلك، لا محالة».

