في عالمٍ تتزايد فيه قوة الصورة وتأثير الرواية على الوعي الجمعي، تظل السينما واحدة من أكثر الوسائل الفنية والثقافية عمقًا وتأثيرًا. فهي ليست ترفًا بصريًا كما يُعتقد، بل مرآة للمجتمع وأداة لتوثيق مآسيه وأحلامه وصراعاته وهويته. إنها اللغة التي تتجاوز الحواجز، وتطرح الأسئلة، وتعيد تشكيل وعي الأفراد والجماعات. لكن في العراق، حيث القصص تتدفّق من كل زاوية والتاريخ مليء بالأحداث والمشاهد المؤثرة، بقيت السينما مهمّشة، تعاني من غياب الدعم المؤسسي وضعف البنية التحتية، وكأنها حلم مؤجل رغم غناها بالمادة الخام التي تنتظر من يُشكّلها فنّياً.

ورغم هذا الواقع الذي قد يبدو قاتمًا، بدأنا نلمس بوادر أمل مصدرها مبادرات فردية جادّة تتحدى الصعاب. واحدة من أبرز هذه المبادرات يقودها الممثل الشاب بكر خالد، الذي أثبت منذ بداياته أن لديه رؤية خاصة في الأداء والاختيار الفني. فمنذ مشاركته في مسلسل “حيرة” مرورًا بـ “عسل مسوم”، أظهر بكر قدرة استثنائية على الوصول إلى قلوب الجمهور بأداء عفوي ومقنع، جعله أحد أبرز الوجوه في الدراما العراقية الحديثة. لكن بكر لم يتوقف عند هذا النجاح، بل قرر أن يتجاوز حدود الشاشة الصغيرة ويخوض مغامرة جديدة في السينما. من خلال فيلم “ندم” الذي عُرض خلال عيد الفطر المبارك، استطاع أن يقدّم نفسه كنجم سينمائي يملك من الجرأة والرؤية ما يكفي لإعادة تعريف السينما العراقية. لم يكن الفيلم مجرد عمل جديد، بل خطوة ذكية تمثل بداية حقيقية نحو سينما عراقية تجارية ذات مضمون، تُخاطب الشارع وتطرح قضايا حقيقية دون أن تفقد جاذبيتها البصرية أو قيمتها الدرامية.

هذه المبادرة تعبّر عن تحوّل حقيقي في طريقة التفكير، وتعيد طرح السؤال: هل يمكن للسينما العراقية أن تنجح وتزدهر؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه أيضًا ليس مستحيلاً. فوجود مبادرين مثل بكر خالد يفتح الباب أمام حراك أوسع، ويمنحنا إيمانًا متجدّدًا بأن الفن قادر على النهوض حتى في أكثر البيئات صعوبة. التغيير لا يحتاج إلى ضوء أخضر من الخارج بقدر ما يحتاج إلى شجاعة من الداخل، وهذه الشجاعة بدأت تظهر. السينما العراقية تمتلك اليوم، رغم كل شيء، الأمل. الأمل بأن تُولد من جديد، لا كحلم ضائع أو فن مفقود، بل كصناعة حقيقية تعبّر عن عراقٍ معاصر، يحكي قصته للعالم بأسلوبه الخاص، وبصوت أبنائه.

