فيلم “هجرة” يعد أحد أبرز الإنتاجات السينمائية السعودية التي تشارك في المحافل الدولية خلال عام 2025، حيث ينافس في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بدورته الثانية والثمانين في قسم “الأضواء”. هذا الاختيار يعكس المكانة المتنامية للسينما السعودية وسعيها لترك بصمة مؤثرة على الساحة العالمية من خلال قصص إنسانية ذات أبعاد محلية وعربية عميقة. العمل يحمل توقيع الكاتبة والمخرجة السعودية شهد أمين، التي عادت من جديد إلى فينيسيا بعد نجاح فيلمها الأول “حراشف”، وهو الفيلم الذي لفت أنظار النقاد وحصد أكثر من خمسة عشر جائزة دولية، ومثّل المملكة ضمن سباق الأوسكار. عودتها هذه المرة بفيلم “هجرة” تعكس رغبتها في مواصلة مشوارها السينمائي عبر أعمال تطرح قضايا مجتمعية وإنسانية بروح فنية مختلفة.

إنتاج الفيلم جاء بالتعاون بين المنتج العراقي محمد جبارة الدراجي والمركز العراقي للسينما المستقلة وشركة بيت أمين للإنتاج، وهو تعاون يضيف بعداً عربياً مشتركاً يبرز وحدة التجارب الإبداعية في المنطقة. وقد تم تصوير العمل في ثماني مدن سعودية من بينها جدة، العلا، تبوك ونيوم، ليعرض تنوع المشاهد البصرية في المملكة ويبرز ثراءها الطبيعي والتاريخي. قصة الفيلم تتناول رحلة روحية وإنسانية معقدة، حيث ترافق الطفلة جنى ذات الثانية عشرة جدتها الصارمة ستي وشقيقتها المراهقة سارة في طريقهن إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. غير أن الرحلة تأخذ منحى آخر بعد اختفاء سارة بشكل مفاجئ، مما يدفع الجدة والحفيدة إلى خوض مغامرة مليئة بالمخاطر للبحث عنها. تتنقل الشخصيات بين مدن وصحارى المملكة، وتواجه تحديات تكشف أسراراً عائلية وخلافات عميقة بين الأجيال، بينما تتداخل الرحلة الخارجية مع رحلة داخلية من البحث عن الذات والمصالحة.

الفيلم لا يقتصر على كونه دراما عائلية، بل هو أيضاً تأمل في طبيعة الروابط الإنسانية وكيفية اختبارها أمام الظروف الصعبة. من خلال شخصية جنى، يتم استكشاف ماضي الجدة وأبعاد التجربة النسائية في المجتمع السعودي، حيث تتقاطع السرديات الفردية مع التاريخ الجمعي والذاكرة العائلية. ومع تطور الأحداث، يتحول البحث عن سارة إلى انعكاس للتجربة الروحية للحج وما تحمله من قيم التضحية والصبر والأمل. يشارك في بطولة الفيلم مجموعة من الممثلين السعوديين البارزين من بينهم خيرية نظمي، نواف الظفيري، لمار فدان، براء عالم، رغد بخاري وعبدالسلام الحويطي، مما يعكس تنوع المواهب الصاعدة في المشهد الفني المحلي.

من خلال هذا العمل، تسعى السينما السعودية إلى تقديم صورة عصرية تحمل طابعاً إنسانياً عالمياً، حيث يتم توظيف عناصر البيئة والتراث والقصص المحلية في إطار سردي قادر على الوصول إلى جمهور عالمي. فيلم “هجرة” يمثل خطوة جديدة في طريق جعل السينما السعودية جزءاً فاعلاً من صناعة السينما العالمية، ومثالاً على قدرة القصص المحلية على التعبير عن قضايا كونية مشتركة.


